محمد جواد مغنية
60
التفسير الكاشف
لقد اختلف العلماء في نوعية هذا الطريق ، وقرره كل بما رآه صوابا . . فمنهم من اعتمد على الدليل الكوني ، وأورده على هذه الصورة : ان الطبيعة وحوادثها المتكررة المتجددة تتطلب وجود علة لها ، ولا يصح أن تكون العلة هي الطبيعة نفسها ، وإلا لزم أن يكون الشيء علة ومعلولا في آن واحد ، وهذا هو الدور الباطل الذي أوضحناه في الفقرة السابقة « يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » الآية 4 من هذه السورة ، وان كانت العلة خارجة عن الطبيعة نقلنا إليها الكلام وسألنا : هل هي نتيجة لعلة سابقة ، أو انها وجدت لذاتها من غير علة ، وعلى الأول يأتي الكلام والسؤال عن كل علة سابقة ، وهكذا دواليك . . وهذا هو التسلسل المحال ، فتعين الثاني ، أي وجود علة بذاتها ، واليها تنتهي جميع العلل ، ولا تنتهي هي إلى غيرها ، وهي كلمة اللَّه ، وقوله للشيء كن فيكون . - ملحوظة - هذا الدليل يقوم على التسليم بنظرية العلية ، وهي ان كل أثر يستلزم مؤثرا ، وكل معلول لا بد له من علة ، تماما كالعلم يستدعي وجود العالم ، والكتابة وجود الكاتب ( 1 ) . ولكي تتضح لديك فكرة التسلسل وبطلانها ، ووجوب الانتهاء إلى علة لا علة لها نضرب إليك مثلا من هذه التصاميم التي يضعها المهندسون للطائرات والسيارات ، وغيرها من الآلات والبنايات فإنها جميعا لا بد أن تنتهي إلى المخترع الأول الذي وضع التصميم من تلقائه ، يأخذ الغير منه ، ولم يأخذه هو من أحد ، ولو افترض انه لا مخترع أول للتصميم لزم أن لا يوجد اختراع ولا شيء يمت إلى التصميم على الإطلاق . وعلى هذا فليس لأحد أن يقول ويسأل : ممن أخذ المخترع الأول هذا التصميم ، لأن معنى مخترع انه لم يتلق من الغير ، وهذه الحقيقة تدل على صحتها بنفسها ، تماما كما تدل الشمس على ضوئها . . وهكذا الحال بالنسبة إلى الخالق
--> ( 1 ) إن الفيلسوف الانكليزي هيوم ينكر مبدأ العلية ، ويقول : لا دليل على أن وجود شيء يستلزم وجود شيء آخر ، وإنما العادة جرت أن يحدثا معا دون أن يكون بينهما تلازم قهري . . وليس لدينا شيء نرد به هذا القول سوى ان الغاء مبدأ العلية الغاء لبديهة العقل عند جميع الناس ، فما من أحد يتصور وجودا من غير سبب موجب . . هذا ، إلى أن تكرار وجود الحادثين معا ، وعدم تخلف أحدهما عن الآخر ، ولو بحسب العادة يجعل للعادة من القوة ما للتجربة التي هي الطريق الوحيد للمعرفة عند التجربيين .